السبت، ١٢ فبراير، ٢٠١١

تونس ومصر : إجابة ليست بالبعيدة ..


شهران من الاحتجاج والعمل المطلبي المُنظم يُسقطان رئيسين عربيين ، ويمهدان لفتح صفحات جديدة في عواصم ليست بالبعيدة عن تونس و القاهرة . يأخذان فعل السياسة إلى التداول اليومي بعد أن كان حكراً على اقليتها المستبدة ، و نخبها المغلوبة على أمرها . شهران حاول فيهما رئيسان أن يستدرا العطف بانشاءٍ يتوسل الماضي القريب ، وبطولات التنمية الورقية ، والخدمات المبذولة لصالح الشعب وأمنه . مقدمة كتاب التاريخ الذي يتشكل أمامنا ، بحسب الرئيس أوباما ، وُضعت في تونس ، وشرع المصريون في كتابة الفصل الأول منذ تسعــة عشر يوماً.
نتذكر تونس القبضة الحديدية ، ومعها خبرات استبعدت حدوث ما يمكن أن يقوّض سلطات زين العابدين بن علي وامتيازات عائلته . تونس من الخارج ، قبل أن يشعل محمد البوعزيزي النار في جسده ، واحة أمن في محيط مغاربي مضطرب ، و معدلات نمو ترتفع لتؤكد لكتبة التقاريرالاقتصادية حكمة السياسة و " رأس راسميها " التي تصيّر البلاد أنموذجاً ، لم تبخل بعض الصحافة الغربية في دعوة بلدان عالمثالثية عدة إلى الاقتداء به . ماذا عن الحريات والسجون المكتظة بأصحاب الرأي ؟ ماذا عن القطاع العام ونهبه " المدروس " من قِبل المقربين ؟ ماذا عن تغول أجهزة الأمن و استخفافها بحقوق الإنسان ؟ ماذا عن الرضا الذي كانت تستقبل به قيادات العالم بن علي الذي أدارت له هذه الأخيرة ظهر المجن ووصفته بالديكتاتور بعد خلعه ؟ ماذا عن جدوى الحلفاء وأسلحتهم وأجهزتهم الاستخباراتية حين يريد الشعب الإطاحة بالرئيس و " تغيير النظام " ؟
ما حدث في تونس فتح الشهية للأسئلة ، ونفث الأمل في واقعٍ عربي كان الحديد والنار نتيجتين متوقعتين لكل حراكٍ باتجاه اصلاحه . هذا الواقع الذي كانت أعياده في القاهرة تزخر بأخبار التضييق على الناشطين والمدونين ، والتحرش بالفتيات في وسط المدينة ، و استعباد رأس المال للقانون ، والفظائع التي تولت أقسام الشرطة إخراجها إلى شاشات الهواتف المحمولة ؛ هو نفس الواقع الذي صار ، بكثير من الاصرار ، الالهام في هيئة شعب ، عبر كسر الحاجز النفسي المتمثل في الخوف من التغيير ومخرجاته ، و تحليل خطاب النظام بأدوات عصرية لا تلقي بالاً للمهدئات التي اعتادت النخبة الحاكمة " صرفها " إثر اشتعال أي أزمة . يُضاف إلى ذلك ، ما تمكنت الثورتان من إثبات تهافته : دعاوى الأمن و فزاعة المجهول .
فالأمن في فترات الرئيسين " المُرحلَين " لم يكن حريصا على السلم الأهلي والحفاظ على مكتسبات الدولتين ، حرصه على قبضة النظام وتغذية الخوف منه . إذ الاعتقاد الذي ساد ، و مازال سائداً في بقاع عدة ، يتلخص في تحقيق الأمن من خلال إدارة البلاد بمنطق الملكيّة الخاصة ، وتجذير السلم الاجتماعي بتكميم الأفواه ، وقطع الأرزاق لمصلحة ذوي النفوذ و المنتفعين من الحال القائم ، ما قاد أطياف الحرمان المختلفة التي جمعتها " المساواة في الظلم " إلى الوقوف جنباً إلى جنب تحت لافتات الغضب المطالبة بأكثر من الفهم ( من ينسى " فهمتكم " الرمق الأخير ؟ ) : بقيادات جديدة تصلحُ ما أفسدته عقود ، لاتمت للرشد بصلة ، حاولت ضرب أطراف أهليّة ببعضها لتضمن ديمومة المرجعية الأمنية كحلٍ أوحد بعد أن بالغت في إرهاب مؤسسات المجتمع المدني ، وسدت قنوات التعبير السلمية ( تزوير الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر مثالاً ) . أما شعار " القادم الأكثر طغياناً " فجرى توظيفه للإيهام بعقم البدائل ، واظهار القائلين بــ تأبيد الأوضاع الراهنة بمظهر العاضين على الاستقرار بالنواجذ !
التنوع الذي وسم الثورتين هو ما أعطاهما زخماً شعبياً ، وهو أيضاً مايبشر بتمثيل حقيقي يدرأ عن المتصدين للشأن العام شبهة الصفات الأبوية ، خاصة بعدما تبيّن عوارها في خطاب مبارك الأخير الذي حاول تذكير " الأبناء " بماضي " أبيهم " ، لعلهم يعودون إلى بيوتهم نادمين على ما اقترفته حناجرهم التي صدحت بـ : " ارحــل " .
رحل رئيسان . و في حقائبهما ، التي كانت رئاسية ، حملا صورة الأب
/ الرئيس مدى الحياة ، والمسؤولية عن دماء الذين قضوا دفاعاً عن حقهم في العيش الكريم ، وترفعاً عن مكرمات قالت ساحات بلدين عربيين أنها من مخلفات الماضي ، ويجب أن تكف عن الوجود في أي خطابٍ مسؤول ، وتحت أي سماء
.

0 التعليقات:

إرسال تعليق