الأربعاء، ١١ مارس، ٢٠٠٩

" الهيئة " والأمر بالمُختلــَف عليه !


تقول " الشعارات " المُوالية لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن وجودها كفيل بصيانة العفة ، وحراسة الأخلاق ، و ترسيخ " الأمن الاجتماعي " . أمثلةٌ " حية " تُضرب ، كذلك ، للتدليل على ضرورة " أحد أجهزة الدولة " ، و أهمية تمكينه للوقوف في وجه " دعاة التغريب " الرامين إلى سلخ المجتمع عن " ثوابته " ، وإلحاقه بحضارةٍ لا يرون فيها سوى الابتـذال و " المحـافظين الجــدد " .
و الحق أنه حين أسمع أو أقرأ كلاماً كهذا ، لا تورق في ذاكرتي إلاّ صفحات من تاريخ أوروبا القروسطية ، حين كان الناس يُلقنون دونيتهم ، و يُحذَّرون من التفكير ، ويُفتشُ في نواياهم ، كنتيجة لشيوع " لافتات " تصف رجال الدين بظل الله على الأرض ، والقائمين على تنفيذ أحكامه . ناهيك عن إيمانها بحقهم " الطبيعي " في تعيين من ستُغفر خطاياه ، ومن سيُخلّد في عذابٍ مقيم . هذه الوثوقية لوت عنق النصوص " المقدسة " لتصوغ مجتمعاً لا يُعكر صفو " امتيازاتها " ، و لا يجرؤ على مساءلة الأسس الفكرية التي حوَت من ادعاءات التقويم و الطوباوية مابرر استبداداً و " عصمة ً " قضيَا على خيرة العقول والإمكانات يومئذ .
قُيّض لهذه الحال أن تستمر لردحٍ من الزمن ، إلى أن اندلعت " ثورات " لاهوتية و فكرية وسياسية كانت ثمرة " الفرد المُفكر " الذي سعت " القوى مطلقة الصلاحية " لإلغاءه عبر محاكم التفتيش التي أُرسل إليها القائلون بأراء تختلف عن السائد ، المتسم بالسمع والطاعة ، بتهمة الهرطقة وخلخلة " الوحدة الاجتماعية " ونشر ما كان يستلزم ، بعد إلقاء القبض على " المُهرطقين " ، حرقه و توعدّ من يأتي على ذكره بالويل والثبور وعظائم الأمور .
حركة مارتن لوثر ( 1483 – 1546 ) الإصلاحية ، على سبيل المثال ، والتي غيرّت مسار الحضارة الغربية ، انطلقت شرارتها بعد اعتراض لوثر على استغلال البابا لـ " فقراء المؤمنين " الذين صوّر لهم الأخير قدرة أموالهم على تطهيرهم من الخطايا و تنقية سرائرهم . و بدا ، آنذاك ، سؤال لوثر عن ثروة البابا ، و لماذا لم يستثمرها في بناء الكنائس بدلاً من " مدخرات " الفقراء ، مقدمة وجيهة للبابا لإعلان الحُرم الكنسي ضد لوثر إن لم يتراجع عن أقواله ، و يحذف من الرسائل المكتوبة ما يُسيء إلى الكنيسة و رأسها . و أحسَبُ أنه من النافل التذكير أن لوثر انتصر في النهاية ، و نجمَ عن " وعيه المُتجاوز " قيام الكنيسة البروتستانتية ، و ظهور الأعمال الأدبية التي أعلَت من شأن الفرد و الفردية * .
هذا الوصل بين الحدث التاريخي ، و مايحدث بين ظهرانينا صباح مساء ، دليل على أن التاريخ لا يُقرأ إلاّ لاستحضار ما يُديم حال الاحتقان ، لا ما يُعين على عدم الوقوع في أخطاءهِ ثانيةً . و مِن أسف أن كثيرين مايزالون في حيرة من أمرهم بشأن القرن الذي نعيش فيه الآن . هل حو حقاً القرن الواحد والعشرين ، بكل مايعنيه هذا من وعود بالتقدم ، و اعتداد بالحرية كـ "حقٍ " أصيل ، لا سبيل لمحاذاته بعناوين الهِبَات و " أيديها الكريمة " ؟ أم أنه زمن العقل الثاوي في ماضٍ لا يعلم إلاّ الله متى نخرج من إساره ؟
المشهد ، واقعاً ، نحا و ينحو باتجاه تجذير مفهوم الوصاية ، والاستعلاء على حاجة البشر للتفكير و التأمل في حيواتهم اليومية ، و تضييق الخناق على خياراتهم ، وتقييد حرياتهم العامة ، واعتبارهم مُدانين حتى تثبت براءتهم وليس العكس . فهل يُرجى من اتخاذ " سياسات " كهذه أن يُقاد الناس إلى الجنة بالسلاسل ؟ و لماذا يُعتقد أن " القوة " والبقاء فوق طائلة النقد هما الوسيلتان المُثليان لإحلال " تصور " محدد " ( و مغلق ) عن المجتمع " المُشتهى " ؟ و هل يمكن ، بناءً على السؤالين السابقين ، أن يوجد مجتمع راشد و أفراده مُكبلون بدعاوى القصور ، ويُعاملون معاملة من لم يصل ، بعد ، إلى سن الرشد ؟ وهل " العصا " وحدها ، لا " مُشتركات " المجتمع ، وقوانينه المُتفق عليها ، و" قوته الناعمة " ، هي ما يوصلـ" نا " إلى الحد من " المُنكر " وتقوية شوكة " المعروف " ؟
المؤلم في الموضوع أن قلةً " مُصطفاة " هي من تحدد " شكل الفضيلة و مضمونها " ، وهي من تتمتع ، دون سواها ، بقدرة خارقة على معرفة وتمييز نوايا البشر من غير أن تتجشم عناء الشق عن قلوبهـــم !! ، وهي التي تسهر على حماية " البشر من أنفسهم " ( بحسب أحد مُناصريها ) في مدن ( أو هكذا تُسمى على الأقل ! ) يختلف أهلها في خلفياتهم المناطقية والثقافية و المذهبية ، و يجدون أنفسهم ، في كثير من الأحيان ، مضطرين إما للتنازل ( خاصةً في الفضاء العام ) أو المُنافحة عن قناعاتهم و مايعتقدون بصحته أمام نفوذٍ تصدرالفتاوى بتحريم لجمه ، على الرغم من كل الأحداث التي تسببت الهيئة في إيصالها إلى مستوى سافر من " الدموية " والتدخل في خصوصيات الآخرين .
__________________

* الفردية ( Individualism ) ، بحسب المعجم الفلسفي الصادر عن مجمع اللغة العربية ، ص 135 ، ط 1983 ، تعني : اتجاه يرى في الفرد أساس الواقع والقيم ، ويذهب في الفلسفة السياسية إلى أن المثل الأعلى للحكومة الصالحة إنما هو تنمية الحرية الشخصية و الحد من سلطان الدولة على الأفراد .

2 التعليقات:

  1. بدايةً اعتقد ان علينا ان نتفق على ضرورة وجود مجموعة معينة من الناس يكون تخصصها في الدعوة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأن في ذلك توجيه واضح وصريح من رب العالمين في قوله (ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون )

    اذا وصلنا لهذة النقطة من الاتفاق فالباقي سهل ، فلن يختلف اثنان على ان هناك قصور كبير في التعامل والتطور في اجهزة ومؤسسات كثيرة ومن ضمنها هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى الجميع المطالبة بالتطوير وتحسين اساليب العمل والتعامل وهذة المطالبة سوف تكون دائمة فمع الرضا الكامل لن يكون هناك تطور ..

    اما اذا كان هناك اختلاف على تطبيق الامر اساسا فهذة مشكلة يابو سعود

    ردحذف
  2. الفاضل .. الجواد

    أولاً : أعتقد أن الذي يعظ ويستخدم سلطته لتجسيد مايراه الأصلح و الأقوم ، لا يفعل ذلك إلا وهو يعتقد ، ابتداءً ، أنه أعلم من " الموعوظ " بأمور دينه ، أو أنه أقدر من سواه على تعريف وتطبيق المعروف . وهذا أمر يتصل بالنوايا ، كما تعرف ، و لا قدرة " لـلظاهر " على بيانه .

    ثانياً : هناك اختلاف حقيقي في شكل و مواصفات " المجموعة المعينة " التي أشرت لها في تعليقك . من هم ؟ وعلي أي أساس يتم اختيارهم ؟

    ثالثاً : السؤال الأهم ، في نظري ، لِمَ لايُترك الأمر للمجتمع و " آلياته " الناظمة نبذاً وقبولاً، بعيداً عن القسر و أدوات العسف " المادية " التي نسمع عنها صباح مساء ؟

    رابعاً : أرى أن الجهاز الذي يُضفى عليه شيء من " القداسة " لا مكان له في أي دولة حديثة . على اعتبار أنه من الطبيعي أن لايوجد ، أمام القانون ، من هو منزه عن المُحاسبة و التقويم . إذاً فليكن شأنه شأن الأجهزة التي يقوم على إدارتها أفراد من لحم و دم !!.

    خامساً : ألا ترى معي أن مجتمع يختلف أفراده في مذاهبهم ، وتتنوع طرائق المعيشة لمواطنيه ومقيميه ، من الصعب أن يُفرض عليه " اجتهاد " واحد ، دون أخذ بقية الاجتهادات بعين الاعتبار .

    سادساً : أين هو " الرشد " في إخضاع مجتمع بأكمله ، لرؤية واحدة . كما لو أن " الجنة " لا تفتح أبوابها إلاّ لمن يُفكر لهم ، ولا يُكف عن حقنهم بضرورة الاستغناء عن عقولهم !!

    عزيزي الجواد ، الحديث يطول عن موضوعنا هذا . ولعل مايُبقيه على مُقربة من التفاصيل كامن في تداخل عوامل قانونية واجتماعية و " اجتهادية " أتمنى أن يأتي أوان التطرق إليها .. قريباً .

    ردحذف