03 ديسمبر, 2009

ما بقيَ من أعدادنا ( 25 /11 )


( 1 )

في الخبرِ : " محصلةٌ غير نهائية " .
في القلبِ : سطرٌ يُعزي المدينةَ ، وارثة التأجيل ، و الذاهبة إلى أيامها ، التي لن تأتي ، بصورٍ محفوفةٍ بالذهب . تعلو الياقةَ المُنشّاة ، ترفرف على البيانِ ، تحتمي بتاريخ لم يعد لأساطيره بحرٌ يسعُ المُبشِرين . الوقتُ يجدِّفُ في دمي . و ما أنا إلاّ شَاكٌ في الماء .

( 2 )

شتاءُ لا يُغني المتلبس به : " مطر ، مطر ".
أولُ الفصلِ كآخر الحياة .
بزةُ الطفلةِ في خزانتها
لسانها في نشيدٍ مكتوب .
و لكي تهرب قليلاً من طقسها الأصم
راحت تُكنس وجهي .
" هذا عمل الشتاء " ، قلت لها .
لم تقل شيئاً .
رتبت على العينين قافلةً مُدماة
طرقت فمي بثلاثة أحرف
ومرّت على خديّ بيدين بهما يتدربُ عيدُ ميلاد .
إلى أعلى
إلى أعلى
حبيبي :
جبينكَ ينوء بالتجاعيد .

( 3 )

قالوا أنهم أنذروكِ قبل شهرٍ من خوف الأسماء على ساكنيها .
قالوا ان في البحر موسوعة لِجان ..
منها ماتشكّلَ ومنها ما ينتظر .

( 4 )

أخرجَ القارب من حقيبة الظهر
و ربَّتَ ، بهدوءٍ ، على الأبدية .
كان يحلمُ أن يُقلّه إلى رفقةٍ تُنضِج الثمرة سريعاً .
هناك سيكون العمر محض تخمين
و التخمينُ جزءٌ من القصةِ ، لا كلها .
كلماته عَرَفت الجُرح .
صبَّت طيفَ مستقبلٍ عليه .
كأن مذاقَ الخُلاصاتِ فرضُ عين
كأن الإجماعَ طوقُ .. حِكمة .

( 5 )

اليوم : ساعات من " قيدٍ " و .. دَم .
رِجالٌ لا " تنتقبُ " مناصبهم
لهم أختـ/ـامٌ في اللهِ لا تشكُ في ما ترى .
تسمعُ و تزعمُ ان عينيها تُغادرانِ دُرج المكتب .
النهارُ ميدان تصريح .
الليلُ كأنه برميلٌ مقلوبٌ يوقفُ الضحيةَ ليقولَ لها : أنا النظام * .
بينهما ..
أبحثُ ، في مُحركاتِ البحث ، عن " سنةٍ ضوئية "
و قبرٍ للعدلِ .. الشريد .


( 6 )

ماكنتَ وحيداً ، ولن تكون .
أخذوا سكينَ براءتك
و أشبعوا المُرغمين على الصمتِ لوما .
تباكوا على المدنِ السكرى بالألقاب
وتنفسوا تحت الكارثةِ
" قضاءً وقدرا " !!

( 7 )

للحلمِ عاداته ..
هذا ما كان يسمعه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* من روح قصيدة عبد الكريم الرازحي " موقف السعادة " التي يقول فيها : " أوقفني برميل مقلوب في منتصف الليل/ وقال لي : أنا النظام فاحترمني. "

28 أكتوبر, 2009

كوميديا " الصديق هتلر " !


عدو عدوي ليس بالضرورة صديقي . و إنْ يكن عدو عدوي أدولف هتلر ، فهذا مما يستدعي حذراً مضاعفاً من الوقوع في كليشيهات التاريخ الذي لا يتورع بعض كتابه في أسطرة شخصيات كان الدمُ ، وفقاً لمنطلقاتها الفكريه ، أشبه بخلاص روحاني تتقرب ، بسفكه ، إلى " نقاء " المشروع ، وصحة وجهته . " الفوهرر " لم يكن استثناء . و في هذا السياق جاءت بعض المراجعات التاريخية لتصفه بالحليف الوفي للعرب ، وحجتها في ذلك لقاءه بمفتي القدس الحاج أمين الحسيني ، ولجوء الأخير إلى برلين لبعض الوقت في أوائل أربعينيات القرن الماضي ، هرباً من القبضة البريطانية التي خصصت 20 ألف جنيهًا لمن يُعينها على الوصول إلى المفتي " حيـاً أو ميتـاً " .
في السياسة ، كما يعرف أكثرنا ، ليس هناك عداوات دائمة أو صداقات دائمة . هناك " مصالح دائمة " . أي أن الظرف التاريخي الذي أحاط بالرجلين دفعهما لخوض غمار تجربة لم تكن تنقصها ذرائع " التحالف مع الشيطان" ( بحسب القول المأثور عن تشرشل ) في سبيل بلوغ الطرفين لأهدافهما . وهي أهداف ، على أي حال ، لم تقف خلفها دوافع ومنطلقات واحدة .
هتلر شرَع في إبادة اليهود لأن ما من مصيبة حلت بألمانيا ، بحسب " كفاحي " سفر النازية ، " إلا وكان وراءها يهودي " . كما أن نقمته استعر أوارها ( والعُهدة على " كفاحي " أيضاً ) بعد ما لمس هيمنة اليهود على سوق المال ، وسيطرتهم على ميادين الفنون والآداب و التمثيل . ولا حاجة بنا للقول إن كتابه يحفل بالكثير من مبررات شنه الحرب على " يهود العالم " ، والتي تطفح عنصريةً لا توفر سهامها عرقاً إلاّ العرق الآري ، و لا لوناً عدا اللون الأبيض ، حتى وإنْ سمّت ، في ذُرى هيجانها ، اليهود وحدهم ! . فالنازية ، التي ربت النشء الألماني على احتقار الشعوب الأخرى ، لم تكن حفيةً بذوي الاحتياجات الخاصة من آرييها ، ولا مع الغجر ومن أسمتهم " الزنوج " . وبكلام آخر ، فإن الدولة التي كانت " مهمتها الحفاظ على العرق الأصلي الذي قدم للعالم أسس الحضارات " ، لم تستثنِ أحداً من عناوينها الكُبرى ، لا بل أنها لم تتأخر في التهام شعوب الأرض المُغايرة إلاّ لأن قوات الحلفاء لم تدع لها فرصة لإكمال مهمتها " المقدسة " !!
فيما خص أمين الحسيني فقد كان مسعاه ، لعقد " تحالف المصالح " هذا ، مقتصراً على مقاومة حكومة الانتداب البريطاني ووقف تدفق هجرة اليهود المدعومين من المنظمات الصهيونية إلى الأراضي الفلسطينية . مذكرات المفتي ( دار الأهالي ، 1999 ) أبانت أن المُضايقات التي تعرّض لها من سلطات الانتداب البريطاني اضطرته للرحيل من الأراضي الفلسطينية ، والانتقال من بلد عربي إلى آخر أوروبي ، بغية حشد التأييد اللازم لقضيته . وقد اقتضت " السياسة " حينها أن يُسافر ، بحثاً عن عون أعداء معسكر الحلفاء ، إلى روما حيث التقى الزعيم الفاشي موسوليني الذي اعتبر الحسيني والمؤيدين لـخطه السياسي " أصدقاء لدول المحور في هذه الحرب " ( ص 96 ). وحين شد الرحال إلى برلين كانت أولى لقاءاته الرسمية مع وزير خارجية هتلر ، فون روبنتروب ، الذي سمع من المفتي " أمله في أن تساعد ألمانيا وحلفاؤها الأمة العربية على بلوغ أهدافها ( ... ) في استقلال جميع الأقطار العربية ، والقضاء على النفوذ الاستعماري فيها ، ومحق الوطن اليهودي في فلسطين" ( ص 106 ) .
نحن ، إذاً ، أمام عمل سياسي يروم المفتي أن يقود بمقتضاه بلاده إلى التحرر من سلطات الانتداب البريطاني التي كانت سخية ، عبر وعد بلفور ، في تعهدها بضمان " دولة يهودية " على أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية . فألمانيا النازية كانت تهدف إلى استمالة القوى المتضررة من النفوذ البريطاني في المنطقة ، عبر تسمية حربها بـ" الكفاح ضد العدوالمشترك " . وهي تسمية لم يتورط المفتي ، كما تبيّن مذكراته ، في التصديق على مسلكها التطهيري الذي بشّر به أتباع " الصليب المعقوف " . إذ حينما سأله هملر ، وزير داخلية هتلر ، عن " فكرتكم في تصفية القضية اليهودية في بلادكم " ، أجابه المفتي : " إننا لانريد منهم إلاّ أن يعودوا إلى البلاد التي جاؤوا إلينا منها " ( ص 127 ).
حتى لو سلّمنا جدلاً بأن المفتي كان مؤيداً ، في العمق ، للهولوكست النازي ، فهذا لايُعطينا " الأرضية الأخلاقية " اليوم لتأييد ماقام به النازيون في الماضي ، نُصرة لما يتعرض له الأبرياء على أيدي الجيش الإسرائيلي في الأراضي المُحتلة . كما لا يعطي كائناً من كان المسوغ لوصم الفلسطيين و المؤيدين لمساعيهم الحقة بـ حلفاء هتلر والمُعادين للسامية . وعلى هذا الأساس ، فإن التزوّد بمقولات على درجة عالية من العنصرية والبدائية لا ينبغي أن يكون ، بأي حال ، السلاح الأمضى في مواجهة الوحشية المُقابِلة التي أستخدمت ، مؤخراً ، الصورة التي جمعت الحاج الحُسيني بهتلر كذريعة للاستيلاء على الأرض التابعة للأول في حي الشيخ جراح بالقدس !
الهولوكست النازي هو جريمة بحق الإنسانية قبل أن يكون فعلاً مُداناً بحق الأبرياء من ذوي الاحتياجات الخاصة واليهود والغجر و " الملونين " . والواجب حيال جريمة كهذه هو أن لا يحتكر الجلاد اليوم ( إسرائيل ) صورة ضحية الأمس لتبرير فظائعه اليومية ضد من يُريد يمينيون ، على شاكلة نتنياهو وليبرمان ، أن يُحملوهم وزر تحالف لم يكن لهم فيه ناقة ولاجمل . البداهة تقول أن مَن أخطأ من القيادات التاريخية في أي بقعة من هذا العالم ليس من الحكمة إثقال كواهل الأجيال اللاحقة عليه بما فعل . هم اتخذوا قراراتهم ومضوا .
الضحية اليوم ( الفلسطيني ومن وراءه العرب ) يليق به أن لا يتخلى عن إنسانيته إن أراد أن لا يُماثل الجلاد في انحطاطه . بهذا المعنى ، القضية الفلسطينية ، تحديداً ، تتعرض لإساءة بالغة حين يوظف أي من مناصريها " آيات " النازيين ضد اليهود ، والتي كل ماتستطيع فعله هو أن ثفرغ " القضية " من المعنى الإنساني والحقوقي ؛ هذا المعنى الذي باستناد البعض إليه استطاع أن يؤثر في كثير من القناعات ، ويحوّل " الأرض التي بلا شعب " ( بحسب ادعاء الأدبيات المؤسِسَة لإسرائيل ) إلى قِبلة لكثير من المدافعين عن حق الإنسان في حياةٍ لا يسوس الاحتلال يومياتها . هذه الضرورة وعاها ، مبكراً ، مبدعون وناشطون فلسطينيون أخذوا الحق الفلسطيني إلى فضاءات تؤاخي بينه وبين أي جغرافيا " تعرضت للتشويه وعمليات المحو " ، من دون أن تبارك الإبادة التي لحقت بأسلاف المضهِدين اليوم ، أو أن تسقط في فخ بعض الماكينات الإعلامية العربية التي لا هم لها سوى الغَرْف من قاموس الشتائم الغرائزي .
... لعلنا نصل ، يوماً ما ، إلى نتيجةٍ مؤداها أن الذين أكلوا الحصرم يلزمهم ، وحدهم ، أن يضرسوا !

12 أكتوبر, 2009

أ.عيّاد الخي


طالعتها صحيفةٌ ، صباحاً ، بخبر اعتزام أ.عيّاد الخي إلقاء محاضرة في قاعة " الحسن البصري " بالمركز الثقافي ، مساء الثلاثاء . لا حاجة لأن تطرق الذاكرة ، قليلاً ، لاستعادة الاسم وأي مؤلفٍ كَتَب أو على أي قناة تلفزيونية أُجري معه حوار . كما أنه ليس يسيراً المرور على خبرٍ كهذا ، كمن يُشيّع النُتف والفوائض اليومية . العنوان أخذ قسطاً من ضوء العينين . صبّ جام أهميته على روزنامة لم تعتد إخفاء هوسها بالتوثيق ، ففكرَت ، دون أن تزحف بعيداً عن " حضور " الخط العريض ، في " السبب " وراء شراء الجريدة كل اثنين ، و إهمال الطبعات الجديدة الصادرة في الباقي من أيام الأسبوع . ثمة إجابة لا يغمض عليها الدافع . لكن السؤال بدا ، وقتها ، معنياً بإجابة أخرى ، غير تلك التي تتصل بالشغف بالمُلحق و كُتّابه . لم تكن " العودة " سريعة . استغرقت وقتاً تمكنت بعض الوجوه من الظهور على شاشته . البائع يجيب عن استفسارها بنبرة تستبطن خيبتها :
- للأسف ، نفدت النُسخ كلها.
- يااااا لهذا اليـوم !! ، أسرّت لنفسها . كادت تسأله لِمَ لم يحجز لها نسخة قبل نفاد الكمية ؟ ، على افتراض أن " حسه العملي " لا بد وأنه أخذ بعين الاعتبار مواظبتها على شراء الصحيفة عينها ، " كل اثنين " . لكن حينما ساقتها قدماها إلى مقعد السيارة الخلفي ، أدركت لماذا كانت محقة في عدم طرح سؤالها . فهي و " اثنين " أشهُر إجازتها الصيفية ، لا ينفيان " العملية " عن حس البائع ، بل يؤكدان أن " المواظبة " ليست هي الكلمة الأكثر دقة في وصف علاقتها مع البقالة الصغيرة ، و جيوب صحفها المحاذية لرفّ المُنظفِّات . فمن أين له أن يعرف متى تبدأ إجازتها ومتى تنتهي ؟ وكيف لقدراته أن تُميزها عن سواها طالما أن الاتشاح بالسواد لا يسمح ، في الغالب الأعم ، بتعيين فوارق واضحة بين المرأة ونظيرتها من مرتادات محله . كثرٌ هم الذين يمرون به لحاجة يقصدونها . و لا داعي لتوهم " طبيعة " تستفز المكان و تخرجه عن آلياته الناظمة . هي لم تكن استثناءً ، و لا تفكر أن تكونه ! تقول الآن ما يعزز نفورها من القراءة على شاشة الكمبيوتر . ترى في ما ينتظرها على فمِ طابعته ، حلاً لا تستسيغه طقوس القراءة المأخوذة برائحةٍ لطالما تمنت " زرعها " في أنوف المستفتين عن " لوثة منتصف الأسبوع " . يصعب عليهم الأمر . و لا أجابةَ تُمكنهم من فهم ما تزيده لغةٌ ، ملفوفة بمجازها ، ضبابية . فإن أخذ الإرهاق بلعبة الشد والجذب ، ولم يتمادَ الطرفان في تفاصيل يُلهبها الفضول ، جيء بما يحفظ للساعات طابعها الأكثر عادية . أما إن ساق الحديث أصحابه إلى " ما يستدعي واقعةً " على درجة من التجسد و " المادية " ، لفض اشتباك الأفكار ، فإنها تكون أقرب إلى تاريخها الشخصي ، و إنْ عَبر الإدعاء .
- لا أدري ! يُمكنك رد الموضوع برمته إلى أبي . عادته الأثيرة . الشاي والصحيفة ، ومزاجه الرائق حين يجتمعان." ثم لا تلبث أن تضيف مازحةً : من ناحيتي ، يكفيني المؤنث منهما ! . يكفيها ، أيضاً ، أن تُحيط حياتها بمرجع أو نقطة تصدر عنها . استبسال مستمر لتقزيم قامة الفراغ ، وصبغ الحياة بلون يُبقي شعرة " المرونة " موصولة بين ما تفكر به ، وقد يسمع أحياناً من يصفه بالغرابة و النأي عن " لحم ودم المُعاش " ، وبين ما تشعر بثقله و تدرك تأثيره على تفاصيل الساعة و عقاربها . هذا النهار ممُتنٌ لنسخة واحدة . لزاويةٍ تُخلِّف أثراً اعتادت أن تحدّ به بصيرةَ قرارها .
تعود إلى شقتها . والإضافة حاجة لإنجاب وقت يليق بالتأمل . إنها تعود مكتنزة بصباحٍ لم يؤخر منغصاته . يحضر كلما أرادت فهم أولوياتها . قبل أن تمر الصفحة بأيديهن ، كان الرأي قد ماثل نساء على شاكلتهن باللامبالاة و العبء ، حتى إذا ما بلغت الحديّة مبلغها استكثر عليهن الحياة . ذلك، بطبيعة الحال ، لا يعدم فرصاً تُلقي على كاهلها من الدوافع ما يُسوغ الساعات " المسلوخة " في جلساتهن .
ماذا عن " الكلمات " في شقة من ثلاث غرف ، وسؤالٍ يومي تقذفه ويرتد إليها ؟
رنّ هاتف ٌجوّال . استبق " جرس الحِصة " و اشتعال الأيدي . لم يكتمل الحوار . التصق إبهام إحداهن ، وهي تتحدث ، بفكها السفلي . ابتسمت . ردّت على لُطف " آخرها " بأحسن منه . مضَت الدقائق بين جُمل موجزة ، و أخرى تتطلب " تغطية " الفم براحةٍ مُقوّسة . لم يطل بهما المقام ، و الوقت لم يعد ملائمًا لاستئناف ما بَدأته . أدارت العُجالة رأيها ، فخطت خارج الغرفة باتجاه صفٍ هُيأت تلميذاته لرؤيتها . بدت المسافة قصيرة بين ما كانت عليه ، وشعورها بوقع خطواتها على بلاط الممر . " من الطبيعي أن أُدير لكِ ظهري " ، همَسَت . طاف برأسها موضع الإبهام و " مجرى " هذه الليلة . استغرق الانتقال ثوانٍ معدودة . خطواتها حاكت مسير الذاهب إلى موعدٍ مُرتقب . كأنها ستحل ضيفةً على أستاذها . استقبلها ظل نافذة . و قبل أن تُلقي التحية ، سَألَت بصوتٍ يهدهد نقمته :
- من منكن تعرف أ.عيّاد الخي ؟
- ......
- مَن ... ؟
بدا السؤال ، بعد الصمت الذي أعقبه ، خارج المكان والزمان . بداهة الوجوه حدقت في فراغ . الوقت افتقر إلى مبررات . وكل ما فعله التكرار هو أن أسمعَها خشخشة أوراق ، تُرك لها تخمين لونها يوماً .. كاملاً .

09 أغسطس, 2009

وصلتَ مُبكراً ، ولِدنا متأخرين


( في الذكرى الأولى لــ "رحيله " )

( 1 )

وطنٌ تقتله الشِعارات
لأن الشاعرَ يَكبُرهُ
لأنكَ جماله " المُنشق " .

( 2 )

الشعرُ هو " القضية " .

(3)

لا بندقيةَ .. هنا ،
و لا ظلَ .. سَروة .
بوحٌ مَدينيّ الصفات يُشير إليكَ
ليتخففَ من " حزامِ البؤسِ " المُطل على " المصير المشترك " .
على وزنهِ تُكتبُ مواعيدُ محبوسةٌ في ريشةِ الصوت
و تُسمى .. الفاتِنات .

( 4 )

أرضُكَ في " الغيمِ " تنمو .
و ساعتكَ تشتهيك .
هي أرضُنا التي حررت عاشقها ،
ثمَ نامت في قبورِ الأولياء .
هي أحياؤنا التي مشينا في شوارعها ..
لنختبرَ ضوء الغرفةِ من خارجه .
في الطريقِ ، غنّى " الرفاقُ " سيرةَ الدوريِّ وصيّاده .
عضضنا القبضةَ تلو الأخرى .
و ما توقفنا لنسأل الريحَ عن نوتةٍ موسيقيةٍ في المهد .
لم نرَ باب " القيامةِ " ، كما رأيت .
وصلتَ مبكراً
وِلدنا مُتأخرين ،
ولمّا نجرؤ ، بعد ، على رَشقِ النافذة .

( 5 )

في الرسائل ، صورةٌ من رئتيك .
في المرآةِ ، عاشقةٌ تتظاهرُ في سديمِ العاطفةِ بعمىً مؤقت ،
لكي لا تُغضبكَ ، و لا تُشفى منه .
أكلما توضأ الحبُ بِكَ ، جفََّ سِواك !

( 6 )

الصداقةُ حِجاب ، قال الحظ .
فقلتُ لسيّدي : لستُ صديقه .
بإمكاني أن أصفقَ له " حياً "
أن " أُوصي " بنثرهِ .. ميتاً .
و لا يتغير في الصدقِ شيء .

( 7 )

عباءةُ " نرسيس " على الماء ..
تترقبُ ألف كلمة .
فهل لي أن أسأل :
أمازالوا يمرونَ بك دونَ قصيدتك ؟


23 يوليو, 2009

" السعودية للسعوديين " : بِئس الشعار !


حين يستغرب المقيم الباكستاني لأنك تسأله عن حال أسرته التي غادرها منذ ثلاث سنوات ، فعليكَ أن تُعيد حساباتك ، وتدعو الآخرين إلى ذلك ، قبل أن نتورط في الإدعاء أننا نعيش في " مملكة الإنسانية " . و حين تدعو عاملاً فليبينياً ( كنت تعرفت إليه في عيادة خاصة ، مثلاً ) ، تلتقيه صدفة في مقهى اعتدت ارتياده ، ليُشاركك و اثنين من أصدقائك طاولتكم المزدحمة بأكواب قهوة و منفضتي سجائر ، فيرى في ذلكَ كرَماً لا قِبلَ له برده أو الاعتذار عن " اقتناصه " ، فذاك مما يُعيد للقاعدة شكها ، ويُتيح " للنسبية " فرصة الحركة والامتلاء بشواهد حيّة عن معنى مُساءلة " المُضيف " لإنسانيته . أما إذا يسّر لك القدر أن ترد التحية ( دعك من " بأحسن منها " ) على المارين بجانبك وهم يحملون مكانسهم الخشبية ، فأنت ، على الأرجح ، لن تضحك من الشعار/النكتة الذي يرفعه بعض السعوديين ، و المُذَكِّر في " كثافته " و " كوميدياه السوداء " بما ننتقده في خطابات أحزاب اليمين الفاشي في أوروبا ضد المهاجرين من العرب والمسلمين و غيرهم .
هذه الازدواجية لا تليق بقضايا ندافع عنها ، أو " حقوق " نسعى لاستعادتها . نقول أن " الآخرين " على قدر كبير من " التحيّز " ، و أنهم يُسيئون إلى " ملفاتنا الحيّوية " باتباعهم لمعايير مزدوجة تُساوي بين الضحية والجلاد ، و أن " الكراهية " هي سياسة مُنظمة تتصل بالتاريخ و " المُقدس " ولا علاقة لها بإحساننا و إساءتنـا . نقول أن " العنصرية " مُنتج لا مصانع له على أراضينا ، و أن الإرث الحضاري الذي ننتسب إليه لم يحفل بمطولات يُعيّر فيها أحدهم بلونه ، و الثاني بأصله وفصله ، والثالث بما " كان عليه أباؤه " ! نقول كل هذا لنستريح . لنطمئن أن لا أحد سوانا على الصراط المستقيم . فيما الواقع يُوجد أجيالاً تُسبح بحمد " شوفينية " لا تكتمل فتنتها إلاّ بالشعار ، و طقوس الاستعلاء التي لا ترى في الآخر إلاّ مُهدِداً و مُتربصاً بأسلوب الحياة النافض عن كاهليه عبء " المُثاقفة " و " النقد الذاتي " !
لست في وارد التعميم . ومن السطحية بمكان اعتبار ملايين من البشر على " سوية " واحدة . كما أنه من عدم الإنصاف أن نُبريء الساحة المحلية من " أخطاء " العقود الماضية التي شيَّأت العمالة الوافدة ، و أبقتها في جزر معزولة على المستويين الثقافي والإجتماعي . فماذا نعرف عن ثقافة و فنون " المُقيمين " بين ظهرانينا ؟ و أين النشاطات التي يكون للمواطنين وغيرهم من الجنسيات الأخرى ( بحسب إحصائية حديثة ، يقيم في السعودية عمالٌ ينتمون إلى 190 جنسية ) دور في تحجيم مساحة الجهل التي تتلبس كثير من المواطنين ( و العكس أيضاً قد يكون صحيحاً ) حيال الوافدين الذين تُشكل نسبتهم رقماً صعباً في الاقتصاد السعودي . و بالطبع فإن " سيرة " الإقتصاد ، ودور " غير السعوديين في نهبه " ، ستدفع بكثيرين إلى رفع عقيرتهم للإحتجاج على المليارات التي تُحول سنوياً إلى الخارج . حسناً : أليس هذا من حق الإنسان الذي يُخلف وراءه وطناً يبعد الآف الأميال ، و أسرة لم يُحرم من دفئها إلاّ لكي يُعينها على البقاء ( البقاء فقط في أحيان ) على قيد " العيش الكريم " ؟ ألا يتذكر بعضنا أباءً له و أجداداً لم تتوقف " هجراتهم " إلى شبه القارة الهندية و أفريقيا إلاّ بعد منتصف القرن العشرين بقليل ؟ هل كنا سنرتضي إتهامهم بالسرقة أو الاحتيال على البلدان التي أقاموا فيها ، فقط لأنهم كانوا يدخرون مايجنيه عرق الجِباه للأفواه الجائعة التي تنتظرهم في الوطن ؟
" السعودية للسعوديين " لن يضيف إلى سجلاتنا ما يدعو للإعجاب ، خاصة ونحن نتحدث عن " حق " لم يتوسل صاحبه قناة غير مشروعة أو طريقاً ينتهك به القانون . و ماأراه أنه من الصعب أن نجد دولة ، في هذه الأيام ، تخلو من " ضيوفها " . صحيح أنهم قد يكونون غير مرحب بهم في أوقات ، و يُستقبلون بفتح الأذرع واسعاً في أوقات ، إلاّ أنهم في كل الحالات من " ضرورات " وربما " إيجابيات " عالمنا المُعولم . و لنا في الدول المتقدمة علمياً واقتصادياً أسوة حسنة . أما المؤمنون بهكذا شعار فعليهم أن يحلوا مشاكلهم بعيداً عن إلقاء اللوم على الآخرين ، و أن يُشيروا بأصابع الإتهام إلى من هو أهل ٌ لها ، من " أساطين " الفساد ، و المستفيدين من بقاء الأحوال المتدهورة على ماهي عليه . كما أنه لن يضيرهم أن " يَجِدّوا " لإبداع مايُسهم ، جدياً ، في جعل المتحركين في جهات هذه الأرض أقل بؤساً ، و أكثر تمتعاً بحقوقهم الأساسية ؛ لا أن يُضيفوا إلى " العنصرية " أتباعاً جُدد .

10 يوليو, 2009

1 - 5


( 1 : نُزهة يومية )

الغابةُ لم تعد صغيرة الاستعارة المُدللة .
إنها تصحب أحدهم إلى بطنِ كتاب ،
و تستأذنه في الحلولِ .. محلها .

( 2 : من سيرةِ الماء )

للوَحلِ أمنيتان :
مدينة تمتدح مرآته ،
وصحيفةٌ لا تُبشر .. به .

( 3 : تاريخ لا يمضي )

ما عاد بالإمكان الاقتصاد في الأجنحة .
لكلِ ليلة ثورتها ،
و لكلِ جائعٍ : " وجبةُ إعدام " .

( 4 : شاهدٌ لا يُعتد به )

حين استجدى الماء شفتيها ،
ما تلوَّنَ منهم إلاّ .. هوَ
و جدةٌ عمياء اسمها : البصيرة .

( 5 : وصيّة )

لأنكَ أهلٌ للخِفّة .
كُفَّ عن مُعاقرةِ جذورك ،
و لا تصل إليكَ .. متأخراً .

28 يونيو, 2009

محاولة للفهم : ماذا يحدث في إيران ؟

( Green Fingers - The Autark )

في ستينيات القرن الماضي ، بدا أن الشباب هم وقود التغيير و القوة الدافعة لإعادة رسم خارطة التأثير في العالم . لم تتغير فرنسا ، وتودع " كاريزما " شارل ديغول ، من غير شبابها . أميركا ، بدورها ، أخذ جيلها الشاب زمام المبادرة و سيّر مظاهرات ضد التمييز العرقي و الجندري ، و إحتجاجاً على الحرب الفييتنامية التي بدأت رحاها في الدوران عام 1965 . بلغ مدى الحركة الشبابية حداً دفع بالكثير من المراقبين إلى تسميتها بـ" الثورة الأمريكية الثانية " . جيل مابعد الحرب العالمية الثانية ضاق ذرعاً بسياسات الآباء و أحابيلهم . فقد ثقته في شعاراتهم ، و راح يشق طريقه بشعارات لا تأنف من الطوبى و " جذرية " اليسار المُشبع بوعوده و عناوين " فردوسه الأرضي " .
هذه الرغبة في التغيير وجدت في ثورات القرن العشرين " واقعها المُشتهى " . أخذ قادتها في العزف على وتر العدالة و المُساواة و القضاء على طغيان الإمبريالية و المبشرين بأجندتها . و الثورة الإيرانية ، بقيادة الخميني ، لم تكن استثناء عن هذا الاستثمار حين اندلعت في 1979 م . اليساريون الناقمون على تحالف الشاه مع أميركا و المعسكر الغربي ، و اليمينيون الآخذون في تعظيم الهوية ، و المتبرمون من التضييق الذي طال علمائهم و حياتهم " الروحية " ، كانوا قاعدة الثورة ، و إن كان النفور " العقائدي " سمة هذه القاعدة ، و عامل انحلالها بعد فترة قصيرة من الحدث الذي اعتبره مثقفون كثر ، " ظاهرة فريدة بين ثورات الشعوب " ، تحققت أهدافه دون أن يُطلق رصاصة واحدة . كما أن فساد الشاه ، و تغوّل أجهزة السافاك ، و شعور الحركات و المُطالبات الشعبية بانعدام الأفق ، ساهم في التعجيل بالإطاحة بالسلالة الشاهنشاهية ، والإتيان بثوريين أطلقوا من الوعود ما يوصل إلى القدس و يحرر المُستضعفين من شرور " الشياطين و عملاءهم " في المنطقة . الحماسة في أوجها ، و الأدبيات ترى " صلاح العالم " في متناول اليد .
ما جاء بعد ذلك ، داخلياً ، غيرّ مقدمات الثورة ، و أقصى الجناح " المدني " من صفوفها . و قد كتب إبعاد الحسن بني صدر ، أول رئيس للجمهورية ، توجهات العهد القادم . إذ إتضح الميل الديني في قيادة البلاد ، الذي دشن كوارثه بالحرب مع العراق التي استمرت ثماني سنوات ، و مضى في عزل إيران إلى حدٍ أضرّ بالاقتصاد و حركة التبادل التجاري و حكم على تناول الموضوع الإيراني بالكثير من القصور . و على الرغم من أنه شغل منصب قائد الجيش في حرب الثماني سنوات ، إلى أن هاشمي رفسنجاني إتخذ بعد وصوله سدة الرئاسة في 1989 خطوات لتهدئة الأجواء مع بعض الدول المجاورة التي كانت شعارات تصدير الثروة قد صيّرتها دريئة لـ" سهامها " . إضافة إلى أن عهده تميّز بغَزلٍ " غير مكشوف " مع الدول الكُبرى ، ما جعل البعض يرى فيه " رجل الدولة " في مُقابل قائد الثورة وصاحب نظرية ولاية الفقيه ، أستاذه " آية الله الخميني " ، و خَلف الأخير في موقع " مرشد الثورة " علي خامنئي . لكنّ ذلك لم يكن كافٍ ليمحض إيران " شكل الدولة " ، ويُبعد عنها شبح العُزلة . تطلب الأمر وصول محمد خاتمي إلى السلطة . فبعد ولايتي رفسنجاني ، تشكلت قناعة ، شبابيّة على الأغلب ، بضرورة التغيير ، خاصة و أن إتهامات
بالفساد طالت النخبة الحاكمة في عهد رفسنجاني . فراحت تنتشر صورة " الرئيس - رجل الأعمال الثري " المُتحالف مع طبقته ، في واقع يُعلن عن فقر قطاعات واسعة من الشعب بفعل البطالة وانعدام التنمية في غير المناطق الحضرية الكبرى ، و تمويل " الحركات الثورية " المُرتبطة بالنظام . و يكفي ، إذا نحينا الجانب الاقتصادي لهذا النزوع نحو التغيير ، أن نُحدِّد الحلول محل الوجهة المحافظة التي حكمت منذ بواكير الثورة ، و كان رفسنجاني عنواناً لها ، كهدف سعى الإصلاحيون ، بقيادة خاتمي ، لتحقيقه . فهذا ، بحد ذاته ، لم يكن بالأمر الذي يُستهان به ، في مجتمع غالبيته من الشباب .
مع مجيء خاتمي إلى السلطة ، و هو المعروف بتوجهه الإصلاحي منذ أن كان أستاذاً جامعياً ، استبشر الإصلاحيون في إيران ، و قوى دولية عدة ، خيراً . تبدت لغة الدولة سلمية في عهده . طالب بحوار الحضارات ، فاعتمدته الأمم المتحدة . انفتح على الجوار الإيراني ، وقام بزيارات تؤكد " حسن الجوار " . ولايتاه الرئاسيتان (1997- 2005 ) قالتا أن لإيران ما يمكن أن تقدمه على مستوى الحوار و التفاعل مع الأمم . فيما مقتل الفاعلية لم يكن إلاّ تقييد الصلاحيات . أفكار مهمة بلا صلاحيات تضعها موضع الفعل . مرشد الثورة بالمرصاد ، الحرس القديم لا يشق عليه التجييش ، و للبدايات أنصارها . لا حركة إلى الأمام ، و إنما بقاء حيث بقي " الرمز " . هكذا انقضى عهد خاتمي : خيبة أمل كبيرة ، وميلٌ لاختبار وجوه حاكمة ترتدي ، هذه المرة ، زي الشعب وتأتي من قواعده . " المرشح " نجاد عزف على وتر الاقتصاد : قوت الناس . و هو في هذا لم يكن من الخاطئين . ففي عهد خاتمي زادت نسبة البطالة ، وارتفع موشر التضخم . ناهيك عن " الأمراض " الاجتماعية التي لم يحد عهد خاتمي من " خطرها " ، كانتشار تعاطي المخدرات بنسب لم تعهدها المدن الإيرانية ، و زيادة أعداد المُصابين بفيروس الإيدز . هذه القضايا كانت حاضرة في الحملات الانتخابية ، واستطاع المرشح نجاد استثمارها للوصول إلى سدة الرئاسة . و قد أحسن الاستثمار . فاز نجاد في انتخابات 2005 على منافسه الرئيس رفسنجاني ، و ألحق بالإصلاحيين هزيمة كان " بطلاها " مصطفى معين و مهدي كروبي . الأصوات التي قادته إلى الحكم جاءت من القواعد المحافظة المرتبطة برجال الدين الموالين لـخامنئي ، وأعداد كبيرة من الطبقتين الوسطى والفقيرة التي استهوتها شعارات نجاد عن ضرورة " التوزيع العــادل للثـروة " .
خطاب نجاد " الشعبوي " ، موصولاً بخلفيته الاجتماعية و " عصاميته " ، أنعش الآمال بحياة جديدة ، آخذين بعين الاعتبار تركيز حملته الانتخابية على الاقتصاد ، و هجومه الشديد على منافسه الرئيس رفسنجاني إلى حد دفع بمنظمي حملته إلى إتهام الأخير بالفساد عبر نبش " الملفات القديمة " . لكن الداخل ، بعد انتصار نجاد ، لم يعد شغله الشاغل . و بمجانيّة غير مبررة ، راح يدعو إلى محو هذه الدولة من الخارطة ، و إنكار تلك الواقعة التاريخية جملة وتفصيلاً . تصريحات ، كالتي عُرف بها نجاد ، يعرف المتابعون للشأن الأيراني أنها لم تكن إلا تصديراً لأزماته الدخلية ، بعد أن فشل في تحقيق الكثير من وعوده التي قطعها إبان الحملة الرئاسية . فشل عبّر عن " عواقبه الوخيمة " طلاب الجامعات الإيرانية في مظاهراتهم التي نددت بعهد نجاد خلال ولايته الأولى ، ووصفته بـ" الديكتاتور " حتى قبل إجراء الانتخابات الرئاسية الأخيرة . فالتضييق على الصحافة الإصلاحية ، و فرض المزيد من الإجراءات والقوانين المُقيّدة للحريات العامة ( منع النساء من دخول الملاعب الرياضية ، مثلاً ) ، وتجاهل دعوات الفاعلين في الحياة العامة الحاضة على إيجاد أرضيّة مشتركة مع دول الجوار والقوى الدولية ، ناهيك عن التشدد بشأن " الملف النووي " ، لم يدع ( كل هذا ) لأحمدي نجاد كبير مصداقية في الخارج ، و لم يرفع من شعبيته في أوساط الشباب بعد ولاية أولى " غير مُشجعة " . و بالتالي ، جاءت نتائج الانتخابات الأخيرة التي اتهمت القوى الإصلاحية الحكومة بتزويرها ، لتُطلق " الغضب " من عقاله ، و يقود على إثرها الشباب المسيرات الإحتجاجية التي جوبهت بقمع ميليشيا الباسيج ( التعبئة الشعبية ) . هذه المواجهات بين الباسيج و المتظاهرين ، أسفرت في يوم واحد فقط ( السبت 20 يونيو 09 ) عن مقتل 10 وجرح 100 على الأقل من بين صفوف " المحتجين على نتائج الانتخابات " .
ما يحدث في إيران يُعيد إلى الواجهة من جديد قدرة الشباب على التأثير ، و إحداث فرق في مسار الأحداث . فما قيل بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، و ماسُمي ، وقتها ، بـ " موت الآيدلوجيا " ، عن انصراف شباب العالم إلى ذواتهم ، واستغراقهم بعيداً عن الإهتمام بالشأن العام ، كذّبته أحداث كُبرى في المنطقة العربية و العالم بأسره . و لكونهم أقرب إلى " منطق " الشبكة العنكبوتية ، فقد أخذ الشباب أقنيتها مأخذاً جدياً لإيصال أصواتهم إلى أرجاء المعمورة . فبفضل الـ" فيس بوك " و " تويتر " و " يوتيوب " استطعنا متابعة الشأن الإيراني بعد ما منعت السلطات الإيرانية الصحافيين من أداء عملهم .
بهذا المعنى ، لن تكون إيران بعد ثورة شبابها ، هي إيران ما قبل مقتـل " نِدا سُلطاني " .

08 يونيو, 2009

أبوة الظل

( رقصة المطر - عذوب عبدالله )

( 1 )

لأنه أنتظر الحُبَ ،
واثقاً من غيابه ،
سألَ عن المُدنِ المُمكنةِ في عنوانِ قصة .
كان ، لنفسه ، حطبُ الشتاء .
و الزمنُ في جيبِ معدن .
أنجبَ اليومُ توأمه
فانزَلق إلى فوضاه ، ثانيةً
و .. وارب الباب
قبل أن تُريه الإجابة جواز السفر .

( 2 )

الطريقُ إلى الطريقِ نصف مضاءة .
القوافل لم تُنكِر أرَقها ،
و عيون البريد الإلهي يَقَظة .
ماذا يقول عنها ، وعن نفسه
في هذا الهزيع من آهاته ؟

( 3 )

لم نفترض غُرفته ، بعد .
قاريءٌ بيده كتاب .
ثيابٌ يقطر ماءها على الأرضيّة الخزفية .
قُصاصات مُلصقة على الجدارِ ، تُذكره :
" الجُثث لدودِ الأرض طعمها واحد " .
و ..
" كُن كالوردةِ لسارقها " .
..
..
أين الشاشة ُ ، والصُحف ؟

( 4 )

لا حاجة له بالنابتِ على رأسه .
الصورُ ملسوعةٌ بعقبِ السيجارة ..
و العائلة تحضرُ مع فنجانِ قهوة .
بين وقت و آخر :
تتمطى نقمته على السرير ، فيزدحم .
يحلُّ في المطارقِ و الآت الحفر .
يريد النسيان ،
يريده حقاً ..
ليُجدّل اسماً لِقطةٍ غائبة ،
ليَكونَ ، و لو لمرةٍ ، أباً لِظـلـِّه .

13 مايو, 2009

قليل من " المواطنة " ، كثير من سِواها !

( Houses - Rene Magritte )


ليس من اليسير الحديث عن حقوق المواطنة و " ضرورة " الاختلاف في ظل مجتمعات ترزح تحت وطأة الانتماءات " الضيقة " ؛ تمتدح الدم و " نقاءه " ، و تُعلي من شأن " الأصل " ومناقب الأسلاف على نحوٍ يكشف ضمور الحاضر ، ويساهم في تكريس الاغتراب عنه وعدم الحاجة إلى عمارته . أكتب هذا ، وفي البال حربٌ لم تعد بحاجة إلى إعلان . وقودها تاريخ تعمّد بالدم ، وسوء فهم راكمته قرون من التوجس و الاعتماد على لغة القطيعة و الاكتفاء بما يُعززها .
أن يكون الإنسان " كائناً تاريخياً " ، هذا لا يعني أن يعيش في دهاليز الماضي ويقتات من مروياته . كما أن التاريخ ، بمعنى يتجاوز ظاهره ، ماهو إلاّ شخصيات و أحداث لم تُروى وتُدوّن إلاّ ليتم الاستفادة من أخطاءها ، والبناء على منجزاتها ، وفق رؤية تُقرّ ببشرية الفاعلين ، وظروف من الصعب تجاهل محيطها و آليات حراكه ، ناهيك عن استحالة المماثلة " الحرفيّة " بين ما كان وما يكون !
بكلمات أخرى ، لا يستطيع الإنسان ، كما أرى ، أن يوطد صلته بلحظته الراهنه إلاّ إّذا أعمّلَ حساسيته النقدية في التاريخ ، و أبصرَ " أناه " في مرآة الحذف والاضافة . هذا ، على الأقل ، ما يُمكِّن جذوة الفعل من البقاء حيّة ، و يضيف إلى الزمن متعة اكتشافه ، بعيداً عن صورة " البَنّاء " الذي لم يترك لأحفاده مايفعلونه بعد رحيله ! صورةٌ كهذه قد لا تُعيب على " الراحل " ، في المقام الأول ، تمجيده لنفسه أو ماقيل عنه من تقريض تتطلبه ، أحياناً ، فجيعة الفقد ؛ لكنها تفضح حقيقة الأحفاد ، و عجزهم عن الإتيان بجديد . إذ أصبحوا عبيداً للمقولات ، وسائرين في ركب ينفي عن السلَف نقصه البشري ، و يحقن الخَلَف بمطولات العجز والدونيّة !
ماقصة الحرب غير المعلنة في هذا السياق ؟
ليس ببعيد ، و منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وحتى غزو القوات الإميريكية للعراق عام 2003 ، راجت حملات الاصطفاف المذهبي بين أعداد لابأس بها من السنة والشيعة على نطاق توسعه جبهات القتال التي ترافقها خطب دينية وسياسية لا تُخطيء حمولتها التعبوية ، والتي لا تترك ما تحسبه نقيصة في الطرف المُقابل إلاّ وأوردته بطريقة كاريكاتورية . أما ما يضيّق هذا النطاق ، إلى حدٍ ما ، فيتمثل في الفترات التي تعقب ( أو تسبق في أحيان ) الدعوة إلى السلم وحقن الدماء ، أو تلك التي تمهد لها المؤتمرات البالغة الرسمية في هذا البلد أو ذاك ! و لنا في الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988 ) مثال بليغ .
الحديث عن ملابسات هذه الحرب ، والرموز المذهبية التي وُظِفت فيها يطول . كما أنه ليس من " مبتغيات " هذه السطور ، شرح الفظائع التي مارستها أطراف عدة ، عقب الغزو الأميركي للعراق ، باسم المذهب ورايات " التطهير " . الأهم ، حتى لا ننشغل بالحدث عن الدوافع التي قادت إليه ، هو طرح الأسئلة التي أعتقد أن الإجابة عليها كفيل بإيضاح الوجهة التي ستصل إليها هذه المنطقة المقيّدة بصراعات الدين والمذهب والقبيلة و .. اللون . أي كل ما بوسعه إبقاء المنطقة تحت مظلة الأزمات التي تتوسل بالتجييش ، وتحاصر ما أمكنها ذلك دعوات التعقل و الأخذ بالتي هي " أنمى " .
المذهبان لهما في المنطقة مايقرب من أربعة عشر قرناً ، وذلك كاف لتعيين مدى ارتباطهما بالأرض و مواجهة أتباعهما للمصائر المشتركة التي مرت بها المنطقة في تاريخيها القديم والحديث . كما أن هذا التمايز المذهبي لم تستطع ( وربما لن تستطيع ) السنون على إذابته في مصاهر الواحدية ، و نزع صفة " التنوع " عنه .
و بالإجمال ، فإن ما يعنيني هنا يتصل بتقريب " حقوق المواطنة " المدنية والروحية من التحقق . أي مايُشجع قيمة الإختلاف في الفضاء المجتمعي العام ، بعيداً عن فرض أي طرف ليقينياته على الآخر . فالأوطان لا ينبغي أن تميّز بين أبنائها على أساس الدين أو المذهب أو الأصل الإجتماعي أو الجنس ، مادام سعيهَم في " ميدان التدافع " لا يتوسل بالقنوات غير السَلمية ، و لا يُماليء العنتريات المعروفة عن " الأغلبية و الأقلية " ، أو " أصحاب الحق وأصحاب الباطل " !
على ضوء ماتقدم ، يعوز " الأغلبية " ، التي تستقوي بالأرقام و " فرضية " الشرعية التاريخية على شركائها الأقلويين ، أن تدرك ، على نحو واضح ، أن الحكم الرشيد أساسه العدل لا إتقان علوم الإحصاء ، و أن أبناء الأقليات ، شأنهم شأن سواهم من المُعتدين بالكثرة ، ليس من الحكمة في شيء الإٍساءة إلى حقوقهم و التمييز " ضدهم " بسبب " رؤية " يؤمنون بصحتها ، ولم يُكرهوا الآخرين على تبنيها ! و إلاّ مامعنى أن نتبجح ، بين وقت وآخر ، في كثير من الدول العربية بالتوقيع على معاهدات حقوق الإنسان الدولية التي تكفل حرية العقيدة والرأي و .. الحركة ؟! و مامعنى ، أيضاً ، أن لا نوزع " رقاع الدعوة " لقصص " التسامح والتعايش " إلاّ في المناسبات الدعائية و المهووسة بتلميع الصورة ؟!
على الجانب الآخر ، ثمة خوف ( يتميز بالمبالغة و لايمكن تبريره في كثير من الأحيا ن ) من استعانة " الأقليات " بقوى أجنبية لضمان مزيد من الحقوق لها . هنا ، نحن إزاء أمرين هما مما يؤكد عمق الأزمة . فلو كنا في دول تحفظ حقوق مواطنيها ، وتعينهم على التعبير عن أنفسهم بشفافية استناداً إلى استقلال القضاء وسيادته ، لما أمكن لهذه المخاوف أن تظهر على السطح ، وتشكل " لزمة " لدى المتوجسين من دعوات المساواة بين أبناء " الوطن " الواحد . وتبعاً لذلك ، ولإبعاد أي شبهة " توظيفية " ، يلزم الحراك المدني – الحقوقي أن يستمد شرعية وجوده ، في ظل حكومات لم تعتد بعد على النظر إلى قوى المجتمع المدني كـ " حاجة ملحة " ، عبر تأكيده على استقلاله وعدم ارتباطه بأجندة هذه الدولة أو ذلك التجمع !
هذا مايمكن الأخذ به ، على الأقل من وجهة نظري ، لتقليم أظافر اللغة التخوينية ، وإشاعة مُناخ من الفهم المتبادل بحقوق " المواطنة " وواجباتها ، بعيداً عن ماورائيات المرء و طقوسه المقدسة ، التي وللأسف الشديد لم يزد الخوض في تفاصيلها بين الأتباع البالغي الحماس ، إلا مزيداً مما يُذكي نار التعصب و يوسع شقة الخلاف . وتكفي نظرة سريعة على منتديات انتريتية و " غرف حوارية " على الشبكة ، للتدليل على أن " المعرفة " تُرفع كشعار يضيف إلى كتاب الكراهية صفحات جديدة ، ويُغيّب سؤال " القواسم المشتركة " ( وهي بالمناسبة كثيرة ) من التدوال ، على الرغم من كونه أكثر الأسئلة احتفاءً بجمالية المجتمع - الفسيفساء ، و الأقرب إلى تعريف التعددية كثروة من " الإجابات الممكنة " .
فهل يبدو من غير الإنصاف أن نطالب " العقل " بلعب دورٍ تدين له بالفضل ، في معدلات تنميتها المرتفعة و تعزيز قيمة " الإنسان " ، مجتمعات تستغرب ، ولها الحق ، ممن لا زالت أناشيد العِصمة و " عادية " الاقتتال الأهلي تأخذ بتلابيبهم ، و " تنتخب " الدم أميناً على كتابة مستقبلهم ؛ خير خلف لخير .. سلف ؟!